أحداث سوس
في غمرة الاحتفاء بالذكرى السبعين لتأسيس الجمعية المغربية لتربية الشبيبة (AMEJ)، تلك المنظمة العتيدة التي شكلت على مدار عقود مدرسة حقيقية لتخريج الطاقات وبناء الإنسان، تفرض بعض القامات نفسها كعلامات فارقة في تاريخ العمل الجمعوي المغربي. ومن بين هذه الأسماء الوازنة التي حفرت مسارها بمداد من التضحية ونكران الذات، يبرز اسم المناضل الفذ خالد الإدريسي، الرجل الذي لم يكن مجرد عابر في تاريخ الجمعية، بل كان وما زال شريانا نابضا يضخ قيم التطوع والعطاء في قلوب أجيال تعاقبت على هذا الصرح التربوي العظيم.
تجاوزت رحلة خالد الإدريسي داخل ردهات الجمعية المغربية لتربية الشبيبة المعروفة اختصارا ب “آميج” حاجز الأربعين سنة، وهي رحلة تختزل عمرا بأكمله قضاه متنقلا بين ثنايا هذه المدرسة. بدأت القصة كطفل يافع ينهل من قيم الجمعية، لتتطور بمرور السنين إلى مؤطر يحمل همّ التوجيه، ثم مسؤول غيور قاد دفة فرع مراكش كرئيس لسنوات عديدة حافلة بالعطاء. ولم يتوقف الطموح النضالي والتربوي عند حدود المحلي، بل امتد ليشمل الإشراف الجهوي، وصولا إلى تبوؤ مكانة مستحقة داخل سلطة القرار في الهياكل الوطنية والمكتب الوطني للجمعية. هذا التدرج الطبيعي والصادق يعكس مدى ارتباط الرجل بقضايا الطفولة والشباب، وكيف تحولت الجمعية لديه من مجرد فضاء للأنشطة إلى عقيدة حية يمارسها بشكل يومي.
يُعرف خالد الإدريسي بين أقرانه ومحبيه بأنه سليل الزمن الجميل وحارس ارثه الفني والنضالي. فالرجل مسكون بنبض الشعوب ومسارات التحرر، حيث يجد ملاذه الروحي والفكري في روائع الفن الملتزم. تشكل أغاني الشيخ إمام، وأناشيد فرقة العاشقين الفلسطينية، وملاحم مرسيل خليفة، وشدو فيروز القرطاسي، الخلفية الصوتية والوجدانية لشخصيته. هذا الارتباط الوثيق بالفن الهادف لم يكن مجرد ترف شعوري، بل انعكس بشكل مباشر على تخصصه الدقيق داخل الجمعية، إذ يعتبر الإدريسي من أبرز المتخصصين في الأنشودة التربوية التي وظفها كأداة بيداغوجية لبناء الوعي وصقل الهوية الوطنية والإنسانية لدى الناشئة. وعلى يده، تربت أجيال كاملة من الشباب في مختلف جهات المملكة، من خلال التداريب الوطنية والجامعات الشبابية التي كان يضفي عليها دائما لمسته الإبداعية الخاصة.
ولعل البصمة الأكثر وضوحا في مسيرة هذا المناضل تتجلى في إدارته الناجحة للمخيمات الصيفية للأطفال وتأطير اليافعين. فالمخيم بالنسبة له ليس مجرد نزهة موسمية، بل هو مختبر لبناء قيم المواطنة والاعتماد على النفس. وفي هذا الفضاء، تجسدت شخصية الإدريسي الإنسانية كمحبوب الجميع، رجل يقود بنكران ذات مطلق، وبمبادئ راسخة لا تقبل المساومة. وفي شهادة إنسانية بليغة تختزل طبيعته المتسامحة، تؤكد زوجته ورفيقة دربه أنه يتميز بقدرة عجيبة على التنازل عن حقوقه الشخصية في سبيل راحة الآخرين وإنجاح العمل الجماعي.
إنه صاحب مزاج فريد لا يعرف الغضب، وأخلاق رفيعة تتسم بالرقي في التعامل مع الصغير والكبير على حد سواء. ويمتلك خالد فلسفة خاصة في الحياة تجعله يترفع عن الإساءة، حيث يرفض دائما التعامل بالمثل مع من يخطئ في حقه، مستدلا بالقول إن التعامل بمثل سلوك الآخرين السيئ يعني السقوط في شباك التماثل والشبه معهم، وهو ما يرفضه نبل أخلاقه.
هذه الشعبية الجارفة والقبول الكبير لم ينحصرا فقط داخل أسوار جمعية أميج، بل امتدا إلى فضاءات جمعوية أرحب، خاصة عندما تقلد مهمة أمانة المكتب الجهوي سابقا للجامعة الوطنية للتخييم. ومن خلال هذا الموقع، نجح خالد الإدريسي في توسيع قاعدة محبيه، وكسب ثقة واحترام مختلف الجمعيات المنضوية تحت لواء الجامعة، بفضل مواقفه الثابتة التي لا تعرف الانكسار أو المداهنة، وقدرته العالية على تدبير الاختلاف بروح توافقية ومسؤولة.
وفي إطار الشهادات الحية التي توثق لسمو مكانته، يقدم أشرف كانسي، عضو المكتب الوطني للجمعية من جهة سوس، كلمة دافئة ومؤثرة في حق رفيق دربه، حيث يقول إن خصال هذا الرجل وقلبه من الأمور النادرة جدا في هذا الزمان. ويضيف كانسي أن خالد الإدريسي رجل لا يعرف الحقد مطلقا، ويمتلك روحا مرحة وطيبة تلامس كل من يقترب منه. ويستطرد مؤكدا أن تجربته الغنية معه في مختلف المحطات، ولا سيما في تأطير التداريب التربوية، كشفت له أن الاشتغال برفقته يعني التعلم المستمر من مدرسة حية تنبض بالقيم، ويعني تذوق طعم العمل الجمعوي الحقيقي القائم على العطاء بلا مقابل والدعم النفسي والمعرفي اللامشروط لكل الطاقات الشابة.
في هذه الذكرى السبعين العزيزة على قلوب كل الأميجيين، نستحضر خالد الإدريسي بصدق واعتزاز وهو بيننا، ينبض قلبه بالحب للجميع، وتستمر عطاءاته لتلهم الأجيال الجديدة. نتوجه إليه بقلوب ملؤها المحبة لنقول له: كن دائما بخير يا خالد، فالجميع اليوم، وبالرغم من أي تباعد طبيعي في الخصال أو تباين في بعض المواقف، يكن لك أسمى عبارات التقدير والاحترام. إن خالد الإدريسي سيظل دائما قدوة منيرة، ونموذجا يحتذى به في العمل الجمعوي الصادق، الحي، والراقي، الذي يحتاجه وطننا العزيز لمواصلة مسيرة البناء والنماء.





