مفارقة الأرقام والإبداع.. كرنفال “الدشيرة إنزكان” يتفوق جماهيريا وثقافيا على نظيره بأكادير رغم فارق الميزانية

ahdatsouss2 ahdatsouss214 يونيو 2026آخر تحديث :
مفارقة الأرقام والإبداع.. كرنفال “الدشيرة إنزكان” يتفوق جماهيريا وثقافيا على نظيره بأكادير رغم فارق الميزانية

أحداث سوس

أعادت الفعاليات الاحتفالية الأخيرة لكرنفال “بيلماون” بالجهة فتح النقاش حول معايير نجاح التظاهرات الثقافية، بعدما كشفت الحصيلة الميدانية عن مفارقة كبيرة بين حجم الإمكانيات المالية المرصودة وحجم الأثر والمردودية على أرض الواقع، حيث نجح كرنفال الدشيرة إنزكان في خطف الأضواء وتحقيق إشعاع واسع بميزانية لم تتجاوز 65 مليون سنتيم، في الوقت الذي واجه فيه كرنفال أكادير انتقادات واسعة رغم رصد ميزانية ضخمة تفوق 220 مليون سنتيم.

​وقد تجلت هذه المفارقة بشكل جلي في مستوى الحضور الجماهيري، إذ شهد شارع محمد الخامس بالدشيرة إنزكان تدفقا بشريا غصت به جنبات مسار العرض، في مشهد يترجم الارتباط الوثيق للساكنة بهذا الموروث، مقابل تراجع ملحوظ في الإقبال على كرنفال عاصمة سوس، وهو التراجع الذي رده متتبعون إلى الاختيار غير الموفق لمسار الكورنيش الذي افتقد لعنصري الجاذبية والقرب من النسيج العمراني للمدينة.

​وفي الوقت الذي كسب فيه كرنفال الدشيرة إنزكان رهان الهوية والأصالة عبر الحفاظ على الروح الحقيقية لطقوس “بيلماون” التاريخية وتعميق حمولتها التراثية، بدا كرنفال أكادير عاجزا عن إبراز هذا البعد بالشكل الكافي. وتكرس هذا التفوق الإبداعي من خلال المجسمات الضخمة والمبتكرة التي شهدتها شوارع إنزكان، مثل مجسمات الأسد والمشجع الكونغولي والمرأة الأمازيغية والقفطان المغربي، وهي الأعمال الإبداعية التي تحولت إلى مادة رقمية واسعة الانتشار، محققة ملايين المشاهدات وتفاعلا دوليا واسعا من طرف المؤثرين والصفحات الكبرى، في حين غابت هذه اللمسة الابتكارية عن دورة أكادير التي لم تسجل أي عمل قادر على خلق الزخم نفسه.

​وعلى مستوى الانفتاح الخارجي والدبلوماسية الثقافية، استطاعت ميزانية الدشيرة إنزكان المحدودة استقطاب فرق دولية متميزة من فرنسا وبلجيكا وبلغاريا، إلى جانب استضافة شخصيات دبلوماسية بارزة مما منح الحدث بعدا سياديا وإشعاعيا متناميا، بينما انحصر الانفتاح الأجنبي لأكادير في نطاق ضيق واقتصر أساسا على مشاركة جزر الكناري. وواكب هذا التميز نجاح إعلامي رقمي وتلفزي كبير لكرنفال الدشيرة الذي تزامن مع أيام عيد الأضحى، فرض نفسه كحدث وطني بارز، غاب وهجه عن منصات وشاشات الكرنفال المنافس.

​ولم تقتصر الدينامية في نفوذ عمالة إنزكان أيت ملول على العروض الشارعية، بل امتدت لتشمل برنامجا فنيا حافلا تمثل في تنظيم أربع سهرات كبرى موزعة على منصتين بمشاركة ألمع رواد الأغنية الأمازيغية والمجموعات الشبابية، فضلا عن الانفتاح على فنون الشارع مثل عروض “الفيالة” وفرقة زرياب النحاسية من تطوان، مما أضفى طابعا من الاحترافية التعددية، في مقابل برمجة محتشمة بمدينة أكادير اقتصرت على سهرتين في منصة وحيدة دون تقديم أي إضافة نوعية تذكر.

​وتؤكد هذه القراءة المقارنة أن الرهان الحقيقي في صناعة الفرجة وتدبير الشأن الثقافي لا يرتبط بحجم الغلاف المالي المرصود بقدر ما يرتبط بحسن التوظيف، والقدرة على الابتكار، والارتباط الوجداني بالهوية المحلية، وهي التوليفة التي جعلت من الدشيرة إنزكان نموذجا تدبيريا ناجحا نجح في تحويل الإمكانيات البسيطة إلى إشعاع دولي وازن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *