باتت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي التي أنشئت بأمر ملكي سامي لحماية الفئات الهشة أصبحت اليوم محط انتقادات واسعة بسبب تبديد المال العام حيث تنفق الأموال التي كان من المفترض أن تصل مباشرة إلى المحتاجين على سيارات فاخرة ومكاتب مكيفة وصفقات استضافة رقمية باهظة، بينما يبقى الدعم المباشر للفئات الفقيرة محدودا وغير مضمون وهذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول فعالية السياسات الاجتماعية في المغرب ومدى التزام المؤسسات بتحقيق أهدافها الأساسية.
ووبحسب المعطيات التي كشفت عنها المنظمة، فإن المعطيات الرسمية تشير إلى أن الوكالة أبرمت صفقة لكراء 15 سيارة بمبلغ يناهز مليار و127 مليون سنتيم على مدى خمس سنوات، بينما ثمن شراء نفس السيارات لا يتجاوز 460 مليون سنتيم.
وأضاف ذات المصدر أن الصفقة تشمل سيارات فارهة للاستعمال الإداري، وأخرى للتنقلات العادية، بالإضافة إلى سيارات ميدانية ومهمات خاصة، كما أن العقد لا يمنح الدولة خيار شراء هذه السيارات بعد انتهاء المدة، ما يعني دفع ضعف الثمن الفعلي بلا أي عائد ملموس أو قيمة مضافة للمؤسسة أو للمواطنين.
وما يثير القلق ليس فقط الهدر المالي، بل التناقض الصارخ مع فلسفة الدعم الاجتماعي التي أنشئت من أجلها الوكالة، فالدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة لا يتجاوز 500 درهم شهريا للفرد، وغالبا ما يسحب بمجرد ارتفاع الدخل الجزئي، في حين تصرف مئات الملايين على السيارات والمكاتب، وهو ما يضعف الثقة في الدولة ويجعل المواطن يشكك في جدوى البرامج الاجتماعية المعلنة.
ويتعقد الملف أكثر مع غياب الحكامة ومظاهر الزبونية، إذ أن رئاسة الوكالة أسندت إلى شخصية مقربة من دوائر القرار السياسي، ما يزيد الشكوك حول نزاهة القرارات واستقلالية التسيير، كما يخلق الجمع بين القرب السياسي من السلطة، غياب الرقابة المستقلة، وغموض الصفقات، بيئة خصبة لاستغلال المال العام تحت غطاء الدعم الاجتماعي، بينما المواطن الذي يفترض أن يكون المستفيد الأكبر يظل محروما من أبسط مقومات الحياة.
ولا تقتصر الصفقات المثيرة للجدل على السيارات فقط، بل تشمل سلسلة من الصفقات الأخرى، أبرزها اقتناء 102 حاسوبا بتكلفة تتجاوز 4 ملايين سنتيم للحاسوب الواحد، وهو ثمن مضاعف مقارنة بالأسعار الحقيقية في السوق المغربية، كما شملت الأموال المخصصة للدعم تهيئة مقر جديد للوكالة، استضافة الموقع الإلكتروني، إدارة البيانات الرقمية، وصفقات للتواصل والإشهار، كلها تنفذ في غضون أشهر قليلة، بينما ملايين المغاربة ينتظرون دعما نقديا قد يوزع قبيل الاستحقاقات الانتخابية لعام 2026، لا كحق اجتماعي، بل كأداة سياسية.
وتوضح الحسابات المالية حجم الهدر: شراء السيارات نفسها مع الصيانة والتأمين على مدى خمس سنوات سيكلف الدولة حوالي 600 مليون سنتيم، ويمكن بيعها لاحقا، ما يجعل الكلفة الصافية أقل من 400 مليون سنتيم، وفي المقابل، صفقة الكراء تكلف الدولة أكثر من مليار سنتيم دون أي عائد، أي ما يعادل دعم 1,400 أسرة لمدة عام كامل، وهو مؤشر واضح على خلل في آليات الرقابة الداخلية وغياب ثقافة ترشيد الإنفاق.
واستنكرت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد هذا التبذير الممنهج للمال العام، ودعت المجلس الأعلى للحسابات إلى فتح تحقيق مالي عاجل، والنيابة العامة للتحقيق في شبهة الفساد وتضارب المصالح، بالإضافة إلى هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة لمراقبة هذه التجاوزات، والبرلمان لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول إدارة الدعم الاجتماعي، كما أكدت المنظمة على ضرورة إعادة هيكلة الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة بعيدا عن الولاءات السياسية، مع رقابة مستقلة لضمان الشفافية وحماية المال العام.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والسياسي للقضية، فالمواطن المغربي يفقد الثقة في الدولة حين يرى الأموال التي يفترض أن تخصص لدعمه تهدر في مظاهر الترف الإداري، بينما الدعم المقدم له لا يتجاوز الفتات.
وفي إطار مهامها الحقوقية، وجهت المنظمة نداءها للملك محمد السادس للتدخل وإرساء نظام مساءلة وشفافية داخل مؤسسات الدعم الاجتماعي، بما يحمي المال العام ويعيد الاعتبار للفقراء، فالملف الحالي لا يمثل مجرد أرقام في ميزانية، بل صورة مصغرة عن خلل أخلاقي ومؤسساتي يجب معالجته بصرامة، قبل أن يتحول شعار “الدعم الاجتماعي” إلى غطاء للفساد، ويقال يوما: “الدولة دعمت الجميع… إلا الفقراء”.
وأكدت المنظمة استمرار متابعة القضية عبر جميع الآليات القانونية والحقوقية الوطنية والدولية لضمان المحاسبة، وحماية المال العام، وإعادة الاعتبار لكرامة المواطن المغربي، الذي يستحق أكثر من مجرد “فتات الدعم”. منقول


