حين يعلو الصمت فوق جبل تدغين و تشتد قبضة البرد، تتقدم الثلوج ببطء ووقار، لتعيد تشكيل الحياة هناك على مهل. أشجارٌكانت بالأمس خضراء، تقف اليوم متجمدة في مكانها، و قد نحتها البياض نحتا دقيقا، حتى غدت كتماثيل من نور، صامتة لكنها ناطقة بالجمال.
على سفوح الجبل، تنحني الأغصان تحت ثقل الثلج، لا انكسارا بل خشوعا، كأنها تؤدي طقسا أبديا في حضرة الشتاء. الرياح تمر بينها هامسة، فتزيد المشهد رهبة و سكونا، بينما يغمر البياض كل التفاصيل، فلا يبقي للعين سوى دهشة الاكتشاف الأولى.
جبل تدغين الذي ينتمي إداريا لجماعة عبد الغاية والسواحل بإقليم الحسيمة، في هذه اللحظات،لا يبدو مجرد قمة شاهقة في شمال المغرب، بل معرضا مفتوحا للنحت الطبيعي، حيث تتحول الشجرة إلى قصيدة، و الصخر إلى لوحة، و البرد إلى فنانٍ لا يخطئ.
هنا، يعلمنا الشتاء أن القسوة قد تلد الجمال، وأن الصمت حين يشتد، يصبح أبلغ من الكلام.

