مولاي حسن الادريسي
تُعد قضية “عدم التنافي” بين صفة الأستاذ الجامعي الباحث في كليات الحقوق وممارسة مهنة المحاماة من أكثر القضايا جدلية في الحقل القانوني المغربي، وهي قضية تتجاوز في أبعادها مجرد الرغبة في تحسين الدخل لتطرح تساؤلات فلسفية وقانونية حول طبيعة الوظيفتين. يرتكز احتجاج الأساتذة الجامعيين على اعتبار أن التخصص في القانون يقتضي نوعاً من التكامل الوظيفي بين “النظرية” التي يتم تلقينها في المدرجات و”التطبيق” الذي يُمارس في ردهات المحاكم، حيث يرى هؤلاء أن ممارسة المحاماة للأستاذ ليست ترفاً بل هي مختبر حقيقي يطور المادة العلمية ويجعلها أكثر قرباً من الواقع المعاش، مما ينعكس إيجاباً على جودة التكوين القانوني للطلبة.
من الناحية القانونية، يصطدم هذا الطموح بمقتضيات المادة السابعة من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، والتي تكرس مبدأ “التنافي” المطلق مع أي وظيفة عمومية مؤدى عنها من ميزانية الدولة، وهو ما يعتبره الأساتذة قراءة ضيقة لا تراعي خصوصية الأستاذ الجامعي كـ “خبير” وقوة اقتراحية. ويستند المحتجون في مطالبتهم بـ “عدم التنافي” إلى تجارب مقارنة رائدة، كفرنسا ومصر، حيث يُسمح للأستاذ الجامعي بتمثيل الأطراف أمام القضاء، بل ويُعتبر وجوده في المحاكم إثراءً للاجتهاد القضائي وضمانة للمحاكمة العادلة لما يحمله من حمولة علمية وتجرد فكري. ويرى الأساتذة أن حرمانهم من هذا الحق يشكل نوعاً من “الإقصاء الممنهج” لكفاءات وطنية يمكنها الرقي بمستوى الدفاع وتجويد المذكرات القانونية.
في المقابل، يثير هذا المطلب تخوفات جدية لدى فئات أخرى، لاسيما داخل هيئات المحامين التي ترى في ولوج الأساتذة للمهنة تهديداً لمبدأ تكافؤ الفرص، وتخشى من استغلال “الرمزية” التي يتمتع بها الأستاذ الجامعي للتأثير على القضاة الذين قد يكونون في الأصل تلامذة سابقين لديه. كما تبرز إشكالية “التفرغ للوظيفة العمومية”، حيث يجادل البعض بأن الجمع بين إكراهات المحاكم (من جلسات ومواعيد مسطرية) وبين واجبات التدريس والبحث العلمي وتأطير الأطروحات قد يؤدي إلى إضعاف المرفق الجامعي وضياع حقوق الطلبة في التأطير اللازم.
وعليه، فإن الجدل القائم حالياً في المغرب يعكس حاجة ملحة لمراجعة التشريعات المنظمة للمهن القانونية بما يتماشى مع التحولات الكبرى. فالأساتذة يطالبون باستثناء قانوني يرفع عنهم “شبهة التنافي”، معتبرين أن المحاماة مهنة فكرية وليست تجارية، وأن الأصل في الأشياء هو الإباحة ما لم يقم دليل على الضرر. إن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة تشاركية بين وزارة العدل ووزارة التعليم العالي وهيئات المحامين، للوصول إلى صيغة تضمن الاستفادة من الخبرات الأكاديمية الفذة في إصلاح منظومة العدالة، مع وضع ضوابط صارمة تمنع أي تضارب للمصالح أو تقصير في الواجبات الجامعية الأصيلة، ليبقى الهدف الأسمى هو الرقي بالعدالة المغربية وخدمة المصلحة العامة بعيداً عن الصراعات الفئوية.



