الإطار التربوي/ شكيب الرغاي
تشكل فئة الفتية والمراهقين والشباب الثروة الحقيقية لأي مجتمع، ومصدر طاقته المتجددة ومحرك تنميته المستدامة، غير أن هذه الفئة، بما تحمله من حيوية وطموح، تبقى الأكثر عرضة للانجراف وراء السلوكيات المنحرفة، فإذا غابت عن حياتها القدوة والفضاءات التربوية الآمنة، فلا نعرف مآلها، وهنا تتجلى أهمية الجمعيات التربوية كقوة مجتمعية فاعلة، قادرة على تأطير الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والإبداع بدل الهدم والانحراف، مثل ما عايناه مؤخرا من تخريب خلال الوقفات الاحتجاجية للمطالبة بتحسين الأوضاع الصحية والتعليمية…
في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، وما أفرزته من تغيرات قيمية وسلوكية عميقة، ومع تراجع الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة في التنشئة والتوجيه، باتت الجمعيات التربوية باعتبارها قوة حية يمكنها أن تساهم في التربية والتوعية، وتأطير الفتية والشباب لحمايتهم من الانحراف، وتوجه طاقاتهم نحو خدمة المجتمع، وانطلاقا من هذا الدور فهي مدعوة إلى الاضطلاع بدور تكاملي في العملية التربوية، من خلال الإسهام في الوقاية، ودعم التنمية المجتمعية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، لتلعب دور الشريك الفاعل في بناء الشخصية الناشئة، وتنمية مهاراتهم الحياتية والاجتماعية.
الدور الوقائي للجمعيات:
يشكل الدور الوقائي أحد الأعمدة الأساسية في الرسالة التربوية للجمعيات، فهو السياج القيمي والسلوكي الذي يحصن الفتية والشباب من مظاهر الانحراف والانزلاق، تتحقق هذه الوقاية من خلال ترسيخ الوعي القيمي لديهم، عبر برامج تربوية تنمي فيهم مبادئ الاحترام والمسؤولية والالتزام الأخلاقي، وتغرس في نفوسهم الحس بالانتماء والمواطنة الفاعلة من خلال المشاركة في الحملات التضامنية والأنشطة التي تخدم المصلحة العامة وتنعش روح العطاء الجماعي.
تقدم الجمعيات عرض تربوي تطوعي لتمنح الشباب بدائل بناءة لاستثمار أوقات فراغهم، وتفتح أمامهم فضاءات الأندية والمخيمات والورشات الفنية والرياضية التي تمرن الطاقة وتهذب الميول، وتمنحهم إحساسا بالثقة والانتماء، ولا يكتمل هذا الدور دون المواكبة النفسية والاجتماعية التي تقدمها الجمعيات لهؤلاء الذين يمرون بأزمات أسرية أو دراسية، فيجدون في التأطير الجمعوي سندا يخفف عنهم حدة القلق والاضطراب، ويمنع عنهم الانزلاق نحو العنف أو العزلة، وبذلك تتحول الجمعية التربوية إلى فضاء حي لصناعة المعنى في حياة الشباب، وإلى حاضنة تربوية تغرس القيم وتبني الإنسان قبل أن تنظم النشاط.
الدور التربوي والتمكيني:
يعتبر الدور التربوي القلب النابض للعمل الجمعوي والكشفي، إذ تسعى الجمعيات من خلاله تمكين وإعداد المواطن الصالح القادر على الفعل والمبادرة، فهي تفتح أمام الشباب آفاقا للتعلم الذاتي وتنمية المهارات الحياتية كالقيادة، وحسن التواصل، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، مما يجعلهم أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات الواقع بثقة ووعي، ومن خلال برامج التكوين والتدريب، يتعلم الفتية والشباب معنى المسؤولية والمشاركة، ويكتشفون قدراتهم الكامنة في بيئة تشجع على الإبداع والانفتاح. وبهذا، تُسهم الجمعيات في بناء جيل متوازن الشخصية، مستنير الفكر، متمسك بقيمه ومنفتح على العصر.
الدور الاجتماعي للجمعيات:
يتجلى الدور الاجتماعي للجمعيات وبالخصوص التنظيمات الكشفية، بمنهاجها وطريقتها الساعية للإدماج والحماية، فهي تمتد لتحتضن الشباب حتى بمن فيهم في وضعيات هشاشة أو انقطاع، وتمنحهم فرصا جديدة استعادة الثقة في ذواتهم وفي المجتمع، تقوم بدور الوسيط بين الأسرة والمدرسة والشارع، فتصلح ما انكسر، وتعيد بناء الجسور بين الأجيال، كما تنصت إلى نبض المراهقين والشباب، ترافقهم وتحتويهم وتفتح أمامهم منافذ الأمل بدل أن تتركهم فريسة للفراغ، وتتحول الجمعية إلى ملاذ إنساني، وإلى شبكة أمان اجتماعية ترمم العلاقات وتعيد للانتماء معناه الحقيقي.
الدور الثقافي والتوعوي:
أما الدور الثقافي والتوعوي، فهو البعد الذي يمنح الفعل الجمعوي عمقه الحضاري، إذ تعمل الجمعيات على تنوير العقول وتحرير الوعي من الجمود، عبر تنظيم المنتديات والملتقيات الثقافية والفكرية التي تعالج قضايا الشباب والهوية والقيم، كما تساهم في نشر ثقافة الحوار والتسامح، وتواجه مظاهر الانغلاق والتطرف بنشر قيم الجمال والإبداع والمواطنة، وتصبح الجمعية منبرا للفكر الحر وللتعبير المسؤول، حيث يتعلم الشباب كيف يفكرون لا كيف يملى عليهم التفكير.
يحتاج الشباب إلى فضاء بديل يحتضنهم بعيدا عن ضجيج الشارع وضغط العالم الافتراضي، يبرز الدور الموازي والبديل للجمعيات التربوية، وخصوصا الحركة الكشفية التي تتحول إلى بيت دافئ يجد فيه الفتى أو الشاب الاعتراف والمساندة، ويكتشف ذاته وسط مجموعة إيجابية تزرع فيه روح الأخوة والانتماء، التي لا تكتفي بالتأطير، بل تمنح الأمن النفسي والاجتماعي، وتقدم نماذج حية من القادة والمربين الذين يجسدون القدوة الحسنة والسلوك القويم، إنها مدرسة للحياة، يتعلم فيها الشباب معنى الحرية المنضبطة، والمبادرة الواعية، والعطاء اللامشروط.
التكتل الجمعوي:
لا يكتمل أثر الجمعيات التربوية في المجتمع إلا حين تعي أن رسالتها، لا تتوقف عند حدود تنظيم الأنشطة والبرامج، بل تتجاوزها إلى المساهمة في صياغة القرار العمومي، والتأثير في السياسات التربوية والاجتماعية، فالجمعيات التي تشتغل وسط الميدان وتلامس نبض الفتية والمراهقين والشباب تمتلك رصيدا من الخبرة والمعرفة الميدانية، يجعل صوتها في ظل التكتل الجمعوي مؤهلا ليسمع في دوائر القرار، لأنها الأقدر على تشخيص واقع الشباب، وتحديد حاجاتهم الحقيقية، واقتراح الحلول العملية القابلة للتنفيذ.
يشكل التكتل الجمعوي أحد أعمدة القوة في الفعل المدني والتربوي، لأن الجمعيات مهما بلغت كفاءتها التنظيمية وفاعليتها الميدانية، تبقى محدودة الأثر إذا ظلت تشتغل في عزلة أو في إطار تنافس ضيق، أما حين تتعاضد فيما بينها ضمن تكتل موحد، فإنها تكتسب بعدا جماعيا يرفع من صوتها ويقوي حضورها في المشهد العمومي، فالتكتل ليس مجرد تجميع شكلي، بل هو وعي بوحدة الهدف وتكامل الأدوار، يقوم على الثقة المتبادلة وتبادل الخبرات وتوحيد المواقف في القضايا الكبرى التي تمس الشباب والتربية والمواطنة.
إن الجمعيات المتضامنة والمكتلة قادرة على فرض نفسها كشريك استراتيجي في صياغة السياسات العمومية، لأنها تتحدث بصوت موحد، وتستند إلى قاعدة ميدانية واسعة، وتعرض مقترحاتها ومذكراتها باسم جماعة لا باسم أفراد، وبهذا التعاضد تتحول من كيانات مشتتة تبحث عن الاعتراف إلى قوة اقتراحية مؤثرة قادرة على الترافع بجرأة ومسؤولية، والدفاع عن مكانة العمل التربوي في التنمية الوطنية، كما يتيح لها التكتل مواجهة التحديات المشتركة، ومأسسة التعاون فيما بينها في مجالات التكوين، والتواصل، وتدبير الموارد، وتنظيم المبادرات الكبرى التي تتجاوز قدرات الجمعية الواحدة.
فالتكتل الجمعوي ليس فقط آلية لتقوية الحضور والدفاع عن المصالح المشتركة، بل هو مدرسة لممارسة الديمقراطية والتدبير التشاركي، إذ يعلم الجمعيات فن الحوار والتوافق وصياغة القرار الجماعي، فمن خلال هذا التعاضد، تتحول الوحدة الجمعوية إلى قوة مدنية فاعلة، تقنع السلطات العمومية بأهمية دورها في التنمية البشرية، وتفرض احترام استقلاليته، وتعيد الاعتبار للعمل التربوي بوصفه خيارا استراتيجيا لبناء الإنسان والمجتمع.
إن التكتل والتعاون بين جميع أصناف التنظيمات الشبابية مع الجهات المسؤولة من أجل إحداث المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، وإخراجه للوجود، للعمل التشاركي من أجل تحقيق هذه الأهداف المشار إليها في الفصل 33 من الدستور.
الوحدة والتشارك:
يمثل البعد التشاركي أحد أوجه الحضور المدني الفاعل للجمعيات التربوية، إذ تسعى هذه الهيئات إلى بناء جسور تعاون استراتيجية مع القطاعات العمومية والمنتخبة، في سبيل إعداد وتنفيذ برامج تنموية مندمجة تستهدف الفتية والشباب، فالتنمية لا تتحقق إلا عندما تلتقي الإرادة الرسمية بالفعل المدني المسؤول، وتتقاطع السياسات العمومية مع الخبرة الميدانية التي راكمتها الجمعيات عبر سنوات من العمل التطوعي والتأطير التربوي.
ولنأخذ مثلا الحركة الكشفية المغربية عندما تتوحد وتعمل بروح جماعية منسجمة، ستجسد نموذجا للفعل التشاركي المسؤول، وتتحول إلى قوة تربوية وتنموية موحدة تساهم بفعالية في تأطير مئات الآلاف من الفتية والشباب، وتربط بين التربية وقيم المواطنة الفاعلة، ففي إطار وحدتها وتكامل جهودها، تتعزز قدرتها على إقامة شراكات مثمرة مع المؤسسات والهيئات ومختلف الفاعلين، ما يجعلها شريكا استراتيجيا موثوقا في التنمية البشرية، لا مجرد إطار للأنشطة الموسمية أو العمل التطوعي المحدود، فحين تتوحد رؤيتها وتتضافر جهودها، على العمل التربوي الموحد يمكنها أن تشكل رافعة حقيقية لبناء الإنسان، وإحدى الدعائم الأساسية للنهوض بالمجتمع.
ولكي تتمكن الجمعيات من أداء هذا الدور الحيوي بفعالية، فإنها في حاجة إلى منظومة من التفاهم والتعاضد فيما بينها، تقوم على التنسيق، وتبادل الخبرات وتوحيد الرؤية والمواقف، فالتنوع لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، بل إلى تكامل في الوظائف وتعدد في الأساليب ضمن وحدة الهدف، فالاختلاف المشروع يجب أن ينتهي عند حدود المصلحة الوطنية العليا، وبروح التنافس الشريف الذي يثري التجربة الجمعوية ويعزز حضورها، وحين يتوحد الصوت الجمعوي، تتقوى قدرته الإقناعية ويشتد تأثيره في المحيط المؤسساتي، فيغدو قوة مدنية وازنة، قادرة على إقناع الجهات الحكومية بضرورة دعم العمل التربوي وتمويله وإدماجه في السياسات العمومية للشباب، ومن خلال هذا التعاضد، تتشكل جبهة تربوية موحدة تبرز مكانة الفعل الجمعوي، وتعيد الاعتبار للتربية باعتبارها الركيزة الأولى لبناء الإنسان والمجتمع.
الدور الترافعي الجمعوي:
يبرز الدور الترافعي بوصفه امتدادا طبيعيا للعمل التربوي، إذ تتحول التكتلات الجمعوية من فضاءات للتأطير المباشر إلى قوى مدنية حية، تدافع عن قضايا الشباب وتطالب بتحسين أوضاعهم التربوية والمجتمعية، وتمكينهم من حقوقهم في التكوين والمشاركة الثقافية والرياضية، ويستند هذا الترافع إلى منهجية علمية تقوم على البحث الميداني وجمع المعطيات وتحليلها، من أجل صياغة مذكرات واقتراحات موضوعية ترفع إلى صناع القرار في إطار الحوار والتشاور والشراكة المسؤولة.
إن هذا التوجه الترافعي والتشاركي، بما يحمله من روح التعاون والتعاضد والتنسيق، يرفع من مكانة التكتلات التربوية ويحولها من مؤسسات للأنشطة الموسمية إلى فاعلين تنمويين حقيقيين يساهمون في صياغة الرؤية المجتمعية على أسس العدالة التربوية والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص، وعندما تنجح الجمعيات في توحيد صفوفها وتكتلها ومأسسة عملها المشترك، فإنها ترسخ وجودها كشريك مؤثر في رسم معالم السياسة التربوية الوطنية، وتعيد الاعتبار للبعد القيمي في مسار التنمية، مؤكدة أن بناء الإنسان هو المدخل الأصيل لبناء الوطن.
وختاما تظل الجمعيات التربوية والكشفية وتكتلاتها صمام أمان للمجتمع، وعرض تربوي تكاملي مفتوح لبناء الإنسان وتنمية حس المواطنة، وجسرا يربط بين الجيل الصاعد وقيم المجتمع، فهي لا تربي الأفراد فحسب، بل تنمي فيهم الوعي بأن الإصلاح يبدأ من الذات، وأن الانتماء للوطن لا يقاس بالشعارات، بل بالفعل التربوي اليومي الذي يعيد للحياة معناها، وللشباب مكانهم الطبيعي في مسيرة البناء.



