أشرف كانسي
يحدث فقط في بلادنا العزيزة أن تستيقظ في السابعة صباحا لتكتشف أن القانون يصرّ على أنها الثامنة، وأن الشمس التي لم تشرق بعد هي مجرد مخالفة قانونية تستوجب التحرير! نحن الشعب الوحيد الذي يمتلك نسختين من الزمن: نسخة مخزنة في الهواتف الذكية ترضي غرور المشرّع، ونسخة مخزنة في الخلايا العصبية ترفض الانصياع لمرسوم وزاري يظن أن بإمكانه ترويض حركة المجرات بجرّة قلم. إننا نعيش حالة ”تيه زمنية” فريدة، حيث تحول المواطن من كائن حي إلى مجرد عداد للطاقة، يُطلب منه أن يبرمج أحلامه ونبضات قلبه وفقا لجدول زمني وُضع في مكاتب مكيفة لا تعرف طعم الانتظار في محطات الحافلات تحت جنح الظلام.
بين “الساعة القانونية” و”الساعة غير القانونية”، يجد المواطن نفسه عالقا في فجوة زمنية تشبه أفلام الخيال العلمي، حيث تقرر الحكومة فجأة أن تسرق ستين دقيقة من عمره بمرسوم نُشر في الجريدة الرسمية، وكأن الزمن مجرد عقار إداري يمكن تحفيظه أو التصرف فيه بالبيع والشراء. هذا الوضع السريالي جعلنا نعيش في بلد يمتلك توقيتين: توقيت رسمي يظهر على شاشات الهواتف الذكية وتتمسك به الإدارات والمدارس بكل صرامة قانونية، وتوقيت شعبي متمرد يرفض الاعتراف بزيادة الساعة ويصر على تسميتها ساعة الحكومة، وكأننا نعيش في حالة انفصام زمني جماعي تبدأ من استيقاظنا وتنتهي عند نومنا.
المفارقة المضحكة المبكية تكمن في تلك العبارة الشهيرة ”إضافة ساعة للدعم الطاقي وتيسير المعاملات الدولية”، بينما الحقيقة أن المواطن البسيط يجد نفسه يغادر منزله في جنح الظلام، مصطحبا أطفاله إلى المدرسة تحت أضواء أعمدة الإنارة التي لم تستوعب هي الأخرى هذا التعديل القانوني. القانون هنا يخبرنا أن الشمس قد أشرقت لأن العقارب تقول ذلك، بينما الواقع البيولوجي يصرخ بأننا ما زلنا في قلب الليل. لقد تحولنا إلى شعب من “الزومبي” القانوني، نتحرك بإيقاع تمليه نصوص تشريعية لا تراعي أن الأجساد البشرية لا تملك تحديثا تلقائيا كما تفعل الهواتف الذكية التي تسبقنا دائما بخطوة نحو التيه.
أما الجانب غير القانوني في القصة، فهو تلك المقاومة السلمية التي يمارسها الناس في أحاديثهم اليومية، حين يسألك أحدهم عن الوقت فيجيبك بسؤال استنكاري: هل تقصد ساعة الله أم ساعة العبد؟. هذا التقسيم اللاهوتي-القانوني للزمن يعكس هوة سحيقة بين المشرع الذي يجلس في مكتبه المكيف وبين الواقع السوسيو-اقتصادي. فالمواطن الذي يرفض الساعة الإضافية لا يفعل ذلك تمردا على الدولة، بل دفاعا عن حقه الطبيعي في رؤية ضوء النهار عند الاستيقاظ. إنها معركة وجودية ضد عقارب ترفض التوقف عن الركض، وضد نصوص قانونية تظن أن بإمكانها ترويض حركة المجرات بقرار إداري بسيط.
وفي ختام هذا المشهد العبثي، يظل السؤال المطروح: إذا كانت الساعة قانونية لأنها صدرت بمرسوم، فهل الأرق الذي يعاني منه الملايين هو أيضا أرق قانوني؟ وهل التأخر عن العمل بسبب اضطراب النوم يعتبر مخالفة تستوجب العقاب أم هو نتيجة حتمية لهذا العبث الزمني؟ يبدو أننا سنظل نعيش في هذا المختبر الزمني الكبير، نضبط ساعاتنا على التوقيت الإداري ونضبط قلوبنا على التوقيت الطبيعي، بانتظار اليوم الذي يكتشف فيه المشرع أن الزمن، بخلاف الميزانية، لا يمكن موازنته بزيادة هنا ونقصان هناك، وأن الساعة الضائعة لن تعوضها كل تقارير ترشيد الطاقة في العالم.
يبدو أننا نعيش في مختبر زمني مفتوح، حيث يُجرى علينا اختبار مدي تحمل العقل البشري للعيش في منطقتين زمنيتين في آن واحد. إن الاستمرار في فرض الساعة القانونية قسرا على واقع بيولوجي يرفضها، هو نوع من العبث التشريعي الذي تجاوز كل الحدود. لقد أصبحنا شعبا يطارد عقارب الساعة في ماراثون يومي لا ينتهي، بينما الساعة الحقيقية الوحيدة التي تدق بوضوح هي ساعة القلق والتوتر.
لذا، ومن باب الإنقاذ الوطني للسكينة العامة، ارحموا هذا المواطن الذي أصبح يرى في المنبه عدوا لدودا، وفي المرسوم مجرد تدبير تقني لا يطعم خبزا ولا يوفر ضوءا. انقذوا الساعة القانونية من عزلتها الإدارية، وأعيدوها إلى حضن المنطق الطبيعي، قبل أن نصل إلى مرحلة يطالب فيها الناس بـلجوء زمني إلى دول تحترم شروق الشمس وغروبها. فإذا كان القانون قد وُجد لتنظيم حياة الناس وتسهيلها، فإن هذه الساعة أصبحت خارج القانون بمقياس الراحة النفسية والعدالة الاجتماعية. كفى عبثا بعقاربنا، فقد ضاعت منا الساعات، ولم يبق لنا سوى أن نضبط خيباتنا على توقيت “غرينتش” الأصلي، لعلنا نجد أنفسنا من جديد في عالم يستيقظ فيه الناس حين تشرق الشمس، لا حين يقرر المراسيم ذلك!




