عيدالاضحى جوهر العبادة وإكراهات العادة وآفة التفاخر

ahdatsouss2 ahdatsouss226 مايو 2026آخر تحديث :
عيدالاضحى جوهر العبادة وإكراهات العادة وآفة التفاخر

مولاي حسن الادريسي

يطل علينا عيد الأضحى كل عام كمحطة إيمانية وإنسانية كبرى، تستحضر فيها الأمة الإسلامية قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وما تجسده من قيم الطاعة المطلقة لله والوفاء. لكن المتأمل في واقعنا المعاصر يجد أن هذه الشعيرة الدينية باتت تعيش تجاذباً حاداً بين عمقها التعبدي الأصيل، وثقل العادات والتقاليد، ودخول نزعة التفاخر الاجتماعي التي أفرغتها أحياناً من محتواها الروحي.

في أصلها الشرعي، الأضحية هي عبادة وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه، مصداقاً لقوله تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.

الغاية الأسمى من ذبح الأضحية هي إحياء السنة النبوية، وشكر الله على نعمه، وتدريب النفس على البذل والعطاء، وتكريس قيم التكافل الاجتماعي من خلال إطعام الفقراء والمساكين وصلة الرحم. في هذا السياق التعبدي، لا يهم حجم الأضحية أو ثمنها بقدر ما يهم الإخلاص والنية الصادقة المقترنة بها.

مع مرور الزمن، تحولت الأضحية في الوعي الجمعي للعديد من الأسر إلى “عادة اجتماعية” لا يمكن الاستغناء عنها، حتى وإن انتفت القدرة المادية. فتحت وطأة العادات، أصبح عدم اقتناء الأضحية وصمة عار أو مصدراً للحرج أمام الجيران والأقارب.

هذا التحول من الفقه الإيجابي (الذي يعتبرها سنة مؤكدة للقادر عليها) إلى الفرض الاجتماعي الصارم، يدفع بالعديد من العائلات ذات الدخل المحدود إلى السقوط في فخ الاستدانة، أو بيع أثاث البيت، أو اللجوء إلى القروض الاستهلاكية لإرضاء المجتمع وتجنب نظرات الشفقة أو اللوم، مما يحول العيد من منبع للفرح واليسر إلى مصدر للقلق والعبء المالي والنفسي
لعل أبرز السلوكيات الدخيلة التي بدأت تشوه روحانية هذه المناسبة هي ظاهرة التفاخر والمباهاة بنوع وحجم وسعر الأضحية. فلم يعد الهدف عند البعض مجرد تطبيق السنة، بل أصبح استعراض “الخروف الأكبر” أو “الأغلى سعراً” وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية أو التميز الطبقي.

وتجلت هذه الظاهرة بشكل أكبر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت المنصات الإعلانية والشخصية إلى ساحات لاستعراض الأضاحي، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو معها، ونشر أسعارها الخيالية. هذا التباهي لا يقتصر ضرره على إفساد نية العبادة وإدخال الرياء إليها فحسب، بل يمتد ليكون سلوكاً جارحاً لمشاعر الفقراء، والمعوزين، والطبقات الهشة التي تجد صعوبة في مواكبة هذه الارتفاعات الصاروخية في الأسعار.

إن عيد الأضحى فرصة عظيمة لتطهير النفوس وتعزيز اللحمة الاجتماعية، وليس حلبة للمنافسة الطبقية أو استعراض القدرات المالية. وحمايةً لهذه الشعيرة من “الابتذال الاستهلاكي”، أصبح من الضروري نشر الوعي الديني والاجتماعي بضرورة تغليب “العبادة” على “العادة”، والتخلي عن ثقافة المظاهر والتفاخر.

إن تيسير الأمور والرفق بالنفس وبالآخرين، والتركيز على البعد الإنساني والتكافلي للعيد، هو السبيل الوحيد لإعادة البهجة الحقيقية والسكينة إلى البيوت، وتحقيق الحكمة الإلهية من هذه الأيام المباركة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *