تعيش جماعة التمسية مفارقة تنموية تستحق الوقوف عندها؛ فمن جهة، هناك طاقات شبابية متعطشة لخوض غمار المقاولة وخلق مشاريع مدرة للدخل، و من جهة أخرى تتوفر المنطقة على مؤهلات مهمة و برامج عمومية موجهة للعالم القروي، إلا أن أثرها على الواقع المحلي ما يزال دون مستوى التطلعات.
فالتمسية تحتضن واحدا من أهم المرافق الاستراتيجية بالجهة، و هو مطار أكادير المسيرة، الذي يشكل بوابة جوية وطنية ودولية قادرة على جذب الاستثمارات وخلق فرص اقتصادية متنوعة. غير أن هذا الموقع المتميز لم ينعكس بالشكل الكافي على التنمية المحلية، حيث يلاحظ غياب المنتجعات السياحية و المرافق الترفيهية والخدمات المرتبطة بالسياحة، رغم ما يمكن أن توفره من فرص شغل للشباب و تحريك للعجلة الاقتصادية.
كما أن جزءا مهما من الأراضي بالمنطقة يخضع لتدبير قطاع المياه و الغابات، و هو ما يطرح تحديات مرتبطة بالتوسع العمراني و الاستثماري، ويستدعي البحث عن صيغ متوازنة تضمن حماية الموارد الطبيعية، و في الوقت نفسه تفتح آفاقا جديدة للتنمية و الاستثمار.
و رغم هذه الإكراهات، فإن التمسية تزخر بمبادرات شبابية و جمعوية واعدة تؤكد أن الرأسمال البشري المحلي قادر على صنع الفارق متى توفرت له فرص التأطير و المواكبة. و من بين هذه المبادرات تجربة جمعية كشافة المغرب فرع التمسية، التي انخرطت في شراكة مع منظمة الهجرة و التنمية و المجلس الجماعي للتمسية ضمن برنامج “أمل”، الهادف إلى تأهيل و تمكين مجموعة من الشباب و إكسابهم مهارات تساعدهم على الاندماج الاقتصادي و الاجتماعي.
و تندرج هذه المبادرة ضمن الجهود الرامية إلى الاستفادة من برامج صندوق التنمية المحلية، عبر مواكبة الشباب حاملي الأفكار و المشاريع، وتعزيز قدراتهم في مجالات المقاولة و التدبير والتكوين الذاتي، بما يفتح أمامهم آفاقا جديدة لخلق فرص الشغل والمساهمة في التنمية المحلية.
إن هذه التجارب تؤكد أن الشباب ليسوا جزءا من المشكل، بل هم جزء أساسي من الحل. غير أن نجاح المبادرات المحلية يبقى رهينا بخلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار، و توفير بنية سياحية و خدماتية قادرة على استثمار الموقع الاستراتيجي للتمسية و تحويله إلى رافعة حقيقية للتنمية.
فالرهان اليوم لا يكمن فقط في توفير التمويلات أو الإعلان عن البرامج، بل في بلورة رؤية تنموية مندمجة تجمع بين المؤسسات العمومية و الجماعات الترابية و القطاع الخاص و المجتمع المدني، و تجعل من مؤهلات التمسية الطبيعية و البشرية أساسا لمشاريع منتجة و مستدامة.
إن التمسية لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص بقدر ما تحتاج إلى مشاريع حقيقية، و شراكات فعالة، و إرادة جماعية تجعل من مؤهلاتها رافعة للتنمية، و من أحلام شبابها واقعا يساهم في خلق الثروة و الحد من البطالة و الهجرة نحو المدن الكبرى، و يؤسس لمستقبل أكثر إشراقا للأجيال القادمة.




